محمد فايز كوكش
الشهيد محمد فايز كوكش، من مواليد عام 1960، من سكان ريف دمشق، ومن أبناء حي كفرسوسة الدمشقي.
كان محمد فايز رجلاً محترماً ووقوراً، حريصاً على أسرته، يعمل سائقاً، لا يطلب من الدنيا سوى الرزق الحلال ليعيل أبناءه ويصون كرامتهم.
تعرّض للتهجير من ريف دمشق عام 2012، بحثاً عن مكانٍ آمن لأطفاله. وبعد أيام قليلة من تهجيره، وفي تمام الساعة الواحدة والنصف فجراً، كُسر باب منزله، واقتحمته عصابات الأسد لتفتيشه. طلب منهم الانتظار قائلاً: «بس خلّوا بناتي يتحجّبوا»،
إلا أنهم كانوا مجرّدين من أي أخلاق أو شرف.
قلبوا المنزل رأساً على عقب، وسرقوا كل ما استطاعوا حمله، ثم اقتادوه معهم. توسّلت لهم زوجته أن يأخذوا ما يشاؤون مقابل تركه، قائلة: «خدوا كل شي، بس تركولي ياه»،
فنهروها بقسوة ودفعوها جانباً.
يروي أبناؤه تلك الليلة قائلين:
كانت ليلةً ماطرة، والمطر يهطل بغزارة، كأن السماء تبكي معنا. دخلنا وأغلقنا الباب، نبكي خلف النافذة، ننتظر أن يظهر ظلّه… لكنه لم يعد. في تلك الليلة، ماتت الطفولة البريئة في قلوبنا، وسُلب منا الإحساس بالأمان والحنان إلى الأبد.
في السادسة صباحاً، بدأت أمّي رحلة البحث المؤلمة، متنقلة بين الحواجز التي أنكرت جميعها وجوده. ومع اقتراب الساعة الثامنة، جاء الخبر الفاجع. مرّ زوج عمّتي في أحد الشوارع، فشاهد جثة ملقاة على الأرض. تردّد في الاقتراب خوفاً، لكن عندما علم أن أبي قد أُخذ ليلاً، عاد إليه الشك. اتصل بعمي، ثم بأمّي. سؤال واحد فصل بين الشك واليقين:
«شو كان لابس؟»
لم تكن أمّي تعلم أي فاجعة تنتظرها. وجدَ أبي ملقى على الأرض، وقد لُفَّت رقبته بحزام كأنهم جرّوه منه. رأسه مثقوب برصاصات الغدر، وعضّته على شفته كانت شاهدة على ألمٍ لا يوصف.
كان جسده دليلاً على وحشية لا يمكن أن تصدر عن بشر: آثار أظافر، جروح في صدره، طلقة قرب قلبه، وساقان مدمّيتان.
أبي لم يُقاتل، ولم يحمل سلاحاً، كان إنساناً عادياً، كل ذنبه أنه حاول حماية بناته الخمس.
«مات»… كلمة لم تستطع أمّي نطقها. لم تنهَر، لكنها سقطت أرضاً، وصرخت صرخةً هزّت السماء. أدركت في تلك اللحظة أنها مطالبة بأن تكون الأم والأب معاً.
إلى روحك يا أبي، يا شهيدنا:
لقد أخذوا جسدك، لكنهم لم ولن يأخذوا فخرنا بك. أنت ضحية ظلمٍ أعمى، وروحك الطاهرة ارتقت لتكون شاهدةً علينا وعلى من ظلمك.
اللهم ارحم الشهيد محمد فايز كوكش، وتغمّده برحمتك الواسعة، واجعله مع النبيين والصديقين والشهداء.
ونحن على يقين أننا سنلتقي بك في جنات الخلد.
