راما العسس

الشهيدة راما العسس .. دينمو الثورة
حين كانت تمرّ في شوارع دمشق، لم تكن تمشي كغيرها. كانت تشعّ حضورًا، تُلهم من حولها، وتملأ المكان بإيمان لا يلين. راما من مواليد 1 نيسان 1986، ابنة دمشق، وخريجة كلية الآداب في جامعة دمشق، وطالبة ماجستير في إدارة الأعمال.
في ذاكرة من عرفها، تظل راما حاضرة لا تُنسى. عند ذكر اسمها، يخفق قلب العشرات ممن واكبوا البدايات، ويتوقف الزمن عند هذه البطلة التي حملت في قلبها وجع وطنٍ بأكمله.
كانت راما تحمل قلبًا يفيض غيرة على حرمات الله، يستشعر آلام الآخرين وكأنها جراحها. ما إن ترى مظلومًا، محاصرًا، معتقلاً، حتى يشتعل قلبها حزنًا وغضبًا، وكأن جزءًا منها يعيش معهم، لا يتركهم.
صاحبة شخصية متناقضة في جمالها: صلبة كالجبل في المواقف، رقيقة كنسمة في رعاية من حولها. كانت لا تحتمل التخاذل، وتكره الجبن، تسأل عن الجميع، تواسيهم، وتدعمهم. كانت راما إنسانية فاعلة منذ ما قبل الثورة، عملت في مجال الإغاثة، وأسست حملات اجتماعية، منها حملة "القراءة حياة" بالتعاون مع الكاتب د.أحمد خيري العمري، إلى جانب الكثير من المبادرات الخيرية.
مع انطلاق شرارة الثورة، كانت راما من أوائل من لبّوا النداء. لقّبها أصدقاؤها ب**"دينمو الثورة"** من شدة حيويتها وعطائها. أينما سُمعت تكبيرة تعلن انطلاق مظاهرة، تجدها هناك، تجمع صديقاتها وتنطلق بجرأة لا توصف، تجوب شوارع دمشق من مظاهرة إلى أخرى.
قالت مرةً لصديقتها:
"جربي شعور إنك تشعلي مظاهرة... بتحسي كأنك عم تشهري إسلامك"
كان هذا هو الإيمان الثوري الذي يسكنها.
كانت راما تذكر اصدقائها دائماً بتجديد النية وأن العمل لله وكانت تضع هذه الآية في مكان العمل:
"وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُوم ٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ [المعارج:24- 25]"
لتذكرهم أن ما يقومون به حقٌ للناس لا منّة فيه ولا فضل.
عندما كانت تشهد اعتقال شاب في الشارع، كانت تندفع إليهم، وتصرّ على الشبيحة أن يتركوه بحجة أنه أخوها أو قريبها. وفي كثير من المرات نجحت في إنقاذ أرواح من براثن الاعتقال.
لم تكن راما فقط متظاهرة، بل كانت من أعمدة العمل اللوجستي ودعم الجيش الحر والدعم الطبي. أسهمت في تأسيس مشافٍ ميدانية، وكان لها دور أساسي في معركة الميدان عام 2012، حين توجهت إلى هناك وأسست مع الأطباء نقطة لعلاج الجرحى. كما كانت أحد أعمدة مؤسسة Ghiras Alnahda USNFP غراس النهضة
كانت دموعها لا تجف فتبكي بحرقة إذا شعرت أنها قصّرت في يوم من أيام الثورة. كانت تردد دومًا:
"الله يستخدمني ولا يستبدلني"
وتدعو لنيل الشهادة، وتشجع الجميع على الصبر والثبات. وعندما كانت تستشعر خوف أصدقائها من الاعتقال، كانت تذكرهم بسمية أول شهيدة في الإسلام، وكأنها كانت ترى نفسها هناك، في ذلك الثبات، في ذلك الإيمان.
اعتُقلت للمرة الأولى عام 2011، ووضعت على قوائم المطلوبين. وفي 27 آب 2012، نُصب لها كمين في حي البرامكة، بالقرب من منزلها، فاعتُقلت للمرة الثانية. ثم داهموا منزلها، سرقوا حاجيات أهلها وأموالهم، ثم نفّذوا مسرحية قذرة: أوهموا عائلتها بأنها مختطفة وأنها بحاجة لفدية للإفراج عنها. وبعد دفع الفدية، لم يُطلق سراحها، ولم يُسمع عنها شيء بعدها.
أطلق أصدقاؤها مجموعة باسم "لأجلك راما" بعد اعتقالها. ونحن نقول: لأجلكِ يا راما، ولأجل كل شهيد، لن نسمح للظلم أن يعود، ولن نسمح أن يتكرر ما حدث.
كان حلم راما أن تؤسس مكتبة كبيرة. فأنشأ أصدقاؤها مشروع "مجمع راما السكني" في شمال سوريا، لتأمين سكن كريم لنازحي الخيام، تخليدًا لاسمها وروحها.
آخر ما كتبته راما:
"من أراد أن يُسقِط الظلم فليفعل.. وليكن خليفة الله في الأرض.. حقًا..."
اعتقلوا جسدك يا راما، أما روحك فقد بقيت طليقة، حرة، أبية، عزيزة.
بقيتِ بيننا، في دمعة الأمهات، في خطوات الثائرات، في كل من حمل راية الحق وقال: لا.

راما العسس