تنسيقية الثورة في حي القدم
تأسّست تنسيقية حي القدم الدمشقي على أيدي ثُلّة من الشباب الثائر الذين حملوا راية النضال في سبيل الحرية والكرامة، وكان انطلاقها في مطلع شهر نيسان من عام 2011، يوم الجمعة العظيمة. نهضت التنسيقية بتنظيم المظاهرات السلمية في المنطقة، وتنسيق الحراك الثوري والإضرابات وقطع الطرقات، تضامناً مع بقية المحافظات ورفضاً لجرائم نظام الأسد. وظلّت على هذا النهج حتى اقتحمت قوات النظام الحي في تموز 2012، فهجّرت أهله، وباتت المنطقة خطَّ اشتباكٍ ومنطقةً عسكرية محاصرة.
العمل العسكري والحصار
في تموز من عام 2011، الموافق لشهر رمضان، شنّت قوات الأسد حملة اعتقالاتٍ واسعة طالت ما يقارب ثلاثة آلاف شخصٍ من الرجال والنساء وذوي الاحتياجات الخاصة، سعياً لكسر إرادة شباب الحي الثائر. وفي مطلع تموز 2012، اقتحمت قوات الأسد حيَّ القدم مدعومةً بميليشيات الشبّيحة من المناطق المحيطة بالحي، فانطلقت أولى موجات النزوح الجماعي، ونزح أكثر من نصف سكان الحي عن ديارهم، فيما طالت يد التصفية عدداً ممّن آثروا البقاء في بيوتهم.
عانى حي القدم بأحيائه الفرعية (المادنية وبورسعيد والعسالي) تحت حصارٍ جائر، شأنه شأن سائر مناطق جنوب دمشق، إذ أطبق عليه نظام الأسد وتنظيم داعش من جهاتٍ عدّة. واشتدّ الحصار حتى غدا قوت أهله من حشائش الأرض كنبتة "رِجل العصفورة"، وما يتيسّر من نبات الجرزة كالبقدونس والفجل. وابتكر أهل الحي في مواجهة شحّ القمح خبزاً يُصنع من العدس عُرف بـ"خبز العدس"، كما عمدوا إلى تحويل النايلون والبلاستيك إلى وقودٍ بدائي أشبه بالبترول الأوليّ، لتشغيل بعض الآليّات الضرورية. ومن رحم هذه المحنة وُلدت قصة "شهيد الفجل"، أحدُ أبناء الحي وأبٌ أعياه رؤية فلذات كبده جياعاً، فغامر بالعبور إلى منطقةٍ يستبيحها القنّاصة ليأتيهم بشيءٍ من الفجل، وقد قال قبل استشهاده: "إن قُتلت فسمّوني شهيد الفجل".
نبذة عن حي القدم
يُعدّ حي القدم البوابة الجنوبية لمدينة دمشق، إذ يمتدّ بين أوتوستراد درعا الجديد والقديم. تقطنه عائلات عريقة من أبنائه الأصليين، إلى جانب أسرٍ وفدت إليه من مختلف المحافظات السورية، وأكثرها من درعا. ويتميّز طابعه العمراني بالمنازل العربية المستقلة التي تمنحه هويّته الشامية الأصيلة.
أهم معالم الحي
جامع القدم الكبير: صرحٌ عريق يحتلّ مكانةً رفيعة في وجدان أبناء الحي، يعود بناؤه إلى العهد الأموي، فيشهد على عراقة المكان وامتداد جذوره في التاريخ.
دوار الحرية "دوار الضبع" وساحة الشهداء: شهدا مجالس العزاء التي أقامها أهل القدم لأبنائهم الشهداء، بحضور قاماتٍ ثورية من مختلف المحافظات، وتحتضن الساحة اليوم احتفالات أهل الحي بعد سقوط النظام.
مقبرة القدم: تقع قبالة مخفر الشرطة وخلف محطة القدم للقطارات، وقد ضمّت في ثراها أرواح شهداء الحي.
محطة قطار القدم: محطة عثمانية عريقة، حُوِّلت إلى مركزٍ أمني مارس فيه النظام الاعتقال والتعذيب والقتل.
المراكز الأمنية
تطوّق حيَّ القدم محطةُ القطارات التي حوّلتها قوات الأسد إبّان الثورة إلى مركزٍ أمني، فضلاً عن وجود مركزٍ تابع لفرع المخابرات الجوية داخل الحي. وقد اتّخذت المحطة موقعاً لقنّاصةٍ امتدّ مرماهم حتى الشارع الثلاثين، وانضمّ إليها أبنية غندور ومعمل الخياط بوصفها من أشدّ النقاط العسكرية تحصيناً، إذ دأبت على قصف المنطقة بلا انقطاع، وسقط بنيران قنّاصتها أكثر من مئة شهيد على امتداد الحي.
أبرز أبطال حي القدم رحمهم الله
- الشيخ عثمان بركة: شيخ الحي وأبو الشهداء، أبى الانحناء أمام النظام رغم تجاوزه الثمانين من عمره، فقضى سنواته الأخيرة مهجَّراً بين ريفَي القنيطرة ودمشق إلى أن وافته المنيّة رحمه الله. قدّم على مذبح الحرية سبعةً من أبنائه شهداءَ في المعتقلات وساحات المعارك.
- السيدة المهندسة خولة الخجا: مؤسِّسة المكتب الإغاثي في حي القدم، تولّت الإشراف عليه وكفالة الأيتام رغم ما تعانيه من إعاقةٍ في قدمها. ظلّت تتنقّل بين بلدات الريف الدمشقي فراراً من الاعتقال والاغتيال، إلى أن وافاها الأجل في نهاية عام 2016.
- الشهيد مازن ناجي: من أوائل مؤسّسي التنسيقية والعمل الثوري في الحي، اعتُقل من منزله واستشهد داخل المعتقل.
- الشهيد جهاد فضو: ارتقى شهيداً وهو يُهرع لانتشال الجرحى في إحدى المعارك، وقد استقرّت في جسده الطاهر أكثر من مئة طلقة.
صفحات التنسيقية على مواقع التواصل الاجتماعي
https://youtube.com/@qadamrevolution?si=p3tCjgOPpzKLi-h4
خاتمة
يبقى حي القدم الدمشقي شاهداً حيّاً على صمود أبنائه وتضحياتهم الجسام في سبيل الحرية والكرامة، فمن أزقّته العتيقة وبيوته الشامية انطلقت صرخات الثورة، وعلى ثراه الطاهر سالت دماء الشهداء. لقد حوّل أهل الحي محنة الحصار إلى ملحمةٍ من الصبر والإبداع، فابتكروا من شُحّ العيش سُبل الحياة، ومن قسوة الحرب معاني الإباء. وإذ نستذكر اليوم سِيَر شهدائه وأبطاله، فإنّنا نُجدّد العهد بأن تبقى تضحياتهم منارةً لأجيال السوريين القادمة، وأن يظلّ اسم القدم محفوراً في ذاكرة دمشق عنواناً للوفاء والفداء. وقد قدّم الحي على مدار سنوات الثورة قرابة ثلاثة آلاف شهيد، سطّروا بدمائهم الزكية أنصع صفحات البطولة والفداء. رحم الله شهداء الحي، وتقبّلهم في عليّين، وأعاد لسوريا أمنها وعزّها.
